فوق التل الأخضر
يُفتح جفناه على تكبيرات أذان صلاة الفجر. ينهض بالبسملة , يبل حلقه بكاس من الماء ثم يهم بالوضوء ومن ثم الصلاة . يستريح قليلا , فيستلقي على فراشه المتواضع , و يباشر بالتسبيح هنيهة , وبتلاوة بعض الآيات هنيهة أخرى . و بعد أن تطل الشمس , و يظهر قرصها المدور كاملا , يخرج الراعي من بيته الحقير آخذا معه عصاه , و مزودا فيه مما قدر الله و أنعم . يُخرج أغنامه و كلبه ثم يبدأ بالمسير , باحثا عن رقع التربة مبتعدا عن رقع العشب و الزهور كي لا يدوسها , لأنه يعلم علم اليقين بأن كل عشبة صغيرة هي نعمة من نعم الله , يحمد الله مرات ومرات من أجلها .
يقود قطيعه بخطوات ثابتة وبوتيرة محددة . يقود قطيعه حتى يصل إلى التل الأخضر . يجلس تحت شجرة البلوط , آخذا تحتها قسطا من الراحة , ولكي ينعم بقليل من البرودة تحت ظلها الشاسع . يبدأ بعدها بالتأمل في الكون , مع انه ليس إلا راع إلا انه أيضا شخص ذو عقل وقلب وسيعي المدى . ثم يتوجه إلى مزوده الذي هو عصا علق عليها قطعة من القماش الخشن ربطت فجعلت كالكيس . فيمد يده إليه ليخرج أجمل ما صنع من القصب , الشبابة.
يبدأ بالنفخ بها ويدوس بأنامله تجويفاتها حتى يخرج منها أعذب ما سمع على الإطلاق . وكأن الشبابة هي غادة حسناء , وضعت قرنفل المرج زينة لشعرها الأكحل المنسكب فوق كتفيها وكأنه إطار يحيط وجهها الأبيض ووجنتيها الورديتين , ترتدي ثوبا أبيضا مزركشا يعلوه تطريزا بخيوط الحرير الأزرق والأحمر . فتبدأ تهمس بشفتيها الحمراوتين كلمات سحرية تطرب لها الآذان كي تشق طريقها إلى القلوب . و هكذا تعزف الشبابة , تدخل و لا تجد مكانا إلا في القلب . بعد أن يعزف الراعي مقطوعات شتى من الموسيقى , يخرج قطعة خبز من خبز البارحة مع قليل من عسل الغابة الذي ملأه بنفسه من خلية نحل الغابة اللاسع , كي يؤمن له و لعائلته قوتا يغذي أبدانهم . يأكل هذه اللقمة عسى أن تبقي له همته وطاقته.
بعد ما ينتهي من الأكل يبقى ينظر إلى أغنامه بترقب فهو يخاف عليها من أي مكروه , ويبقى يتربص ما بين الأشجار خوفا من قدوم أي ذئب فيبقى متشبثا بعصاه ومتأهبا لأي شيء ينوي المس بأغنامه , فأكبر عاشق هو من قرن حبه بحب الراعي لأغنامه . وهكذا قبل أن ترسل الشمس آخر تحياتها يجمع الراعي أغنامه مودعا التل الأخضر وحامدا ربه على كل الخيرات التي يجدها على هذا التل . فيتجه مباشرة إلي بيته . يدخل أغنامه و كلبه ثم يذهب إلى بيته المتواضع للغاية يأكل الغداء , ينهي صلاته ثم يطمأن على العائلة ويتفقد الأغنام . وبعد أن يهبط الظلام معلنا وقت السكينة يخلد الراعي إلي النوم بعد أن تنام جميع أفراد العائلة مطفأ آخر سراج ومنتظرا يوم غد داعيا الله بالتوفيق ... .
من إبداع الطالبة:
خضرة مروان عنبوسي
التاسع 1